12.4.2016

ذهان, او ايمان متطرف بالعارض[1] / اريك لوران[2]

Eric Laurent



ذهان, او ايمان  متطرف بالعارض[1] / اريك لوران[2]
ما الذي ندعوه "ذهانا, هذا ما سيكون موضوعا لاستهلالي هذا والذي سيتطور بالاعمال التحضيرية للمؤتمر الذي سيعقد في آثينا, أعمال ستبلغ ذروتها في المؤتمر نفسه. بهذا اقترح بحثا يتعلق بقراءتنا لكلمة "ذهان" في الممارسة التحليلنفسية المعاصرة.

الذهان والخطاب
إن ما يهمنا في الممارسة التحليلنفسية هو أشكال الخطاب التي بواسطتها تُدمج الذات نفسها – دوماً على نحوٍ غير كامل- مستندة على أو مستعينة بعارضها, بأشكال الخطاب الممأسسة, في ما نكنيه بالحضارة. لقد صاغ فرويد العارض تبعا لتعارضه مع الحضارة. ولقد شكل العارض بالنسبة له ثروة ورابطا اجتماعيا بديلا. يذكرنا فرويد, بأن العارض يبدأ من اثنين , من الرباط الجنسي بين الشريكين وهو مناف لمثاليات الحضارة المشتركة. العارض هو لغة خاصة , متمايزة عن اللغة العامة.
لقد وضع لاكان فكرة الحضارة كواحدة ووحيدة رهن السؤال وادعى أنها مركبة من تعددية في أشكال الخطاب , وتحوي على الأقل أربعة : خطاب السيّد, خطاب الجامعة, خطاب الهستيريا وخطاب المحلل. وجميعهم مدى لادماجات تمكن من صياغة الذات المجزأة بالآخر الكبير مع تلذذها , الموضوع  [3]a. لهذا التعدد الذي في الحضارة علينا إضافة خطاب آخر ينهش بكل واحد من هؤلاء: الخطاب الرأسمالي , والذي ينتقل فيه الموضوع a هذا إلى ذروته ويقسّم من جديد التبديلات الممكنة. على العارض اذن أن يصاغ , من خلال إدخاله الجزئي دوما, تحت أشكال الخطاب.


ان موضوع "الذهان" يصلنا من مجال الأمراض النفسية في العيادة التقليدية والتي بذلت جهودا, ما بين القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين, في تصنيف أشكال "الجنون" -اسم أكثر قدما للذهان – في داخل نظامية جديدة. ان عيادة النظرة التي توسعت لتصبح عيادة السمع منحتنا قبل كل شيء وفرة, وتعددا غير محدود لأشكال جنون وهوس , قبل أن تغدو منظمة, وتأخذ شكلا وتعد من قبل كرفلين (Kraepelin) في محورين رئيسيين : من جهة اولى, جنون الارتياب (البارانويا) , والشيزوفرينيا والمناقشات حول البرافرينيا ; ومن جهة أخرى الهوس (mania) والسوداوية (melancholia) . لقد كانت الابتكارات الاخيرة المهمة لهذه العيادة : الاوتوماتيكية الذهنيّة لكليرامبو (Clerambault)  في فرنسا, وفي الوقت نفسه, البارانويا الحسية لكرتشمر (Kretschmer) في منطقة متحدثي الألمانية. لدينا اثار من الجدل ما بين ياسبرس (Jaspers) وكليرامبو كما نقلها  لاكان في أطروحته عن جنون الارتياب منذ العام 1932, والتي بواسطة اسمها تضع ختما على نهاية عصر.[4]

لقد تبنى فرويد مصطلح "الذهان", على نفس النحو الذي صنّف به كرفلين  البرافرينيات, كشكل لخطاب ايجابي وكمحاولة لبناء عالم من جديد في حين ان الاعتقادات التي دعمته قد اختفت.[5] لقد اسّس فرويد الخطاب التحليلي على أساس الإيمان بالأسطورة الاوديبية التراجيدية, والتي ضبطت بالنسبة لفرويد علاقات الليبيدو والتلذذ في الخطابات التي سادت في الحضارة ال - ما بعد فكتوريانية, والتي انبثق منها الخطاب التحليلي. مآسي القرن التاسع عشر, وليس فقط مآسي الواقع بل ايضا المآسي الأدبية, للأدباء - فيكتور هوغو, اوغوست سترينبرغ, هنريك ايبسن- والتي ما زالت تحاكينا اليوم ايضا , منحت شكلا ملحميا لتلك اللحظة , التي حددت بها مملكة التحريمات الافقَ المثالي للخطاب.

التراجيديات كما والروايات الملحمية الكبيرة للقرن التاسع عشر, شكلت في حينه رابطا اجتماعيا. وما زلنا نتأثر بهن كما نحن  نتأثر بتراجيديات الاوبرا الموسيقية من فاردي وحتى فاغنر, والتي ما زالت تُعرض بجميع انحاء العالم. بدءاً من تلك الاشكال الادبية التي أنتجت رابطاً اجتماعياً, يتبوأ الاديب منزلة  من  له طبيعة الهية خالقة , ومن له كينونة متميزة , وكراهبٍ جديدٍ لدينٍ بمرحلة التكوين - حتى نيتشه آمن بذلك في لحظة معينة.

لقد قام فرويد بدمقرطة تراجيديات القرن التاسع عشر, افتراضا منه ان الموقف الشائع للذات في تلك الفترة كان ان تعيش عالمها كمأساة. عقدة الاوديب, واسمها العلمي كانا بمثابة مأساة عادية وسخيفة بالنسبة للجميع, تنظم الصراع ما بين الاب والابن, من خلال عدم الاعتراف المتطرف بينهما. لقد منح فرويد هذه المأساة المبتذلة شكلا ملحمياً, وظن لاكان أن السبب في ذلك يعود الى ان فرويد نفسه كان رهين الاكتشاف العائد لتلك الفترة والمتعلق بالدور المصطنع للأبوة.[6] إن تداعي النظام القديم وسقوط الإيمان بالأب الذي دُعِم من قِبَل ذلك النظام , إضافةً إلى تراكم أشكال قرابة لم تختلط بالمدن الصناعية الكبرى حتى ذلك الوقت, كشفت الطابع التعسفي للأب. ان مأساة اوديب الفرويدية المألوفة والتي اعطت شكلاً اعتياديا للخطاب حول مباني القرابة, تشكلت على نحو متزامن مع المبادرات التصنيفية للطب النفسي المعاصر لزمن فرويد.      

لقد بدت انماط الذهان لفرويد كأشكال لخطاب بنّاء , تحمل جهد الذوات التي سقطت بعيداً عن أي إيمان بالأب وعن المأساة المألوفة, وكردِّة فعلٍ بديلةٍ للحقل العيادي الواقع تحت المنهجة المتجددة للطب النفسي. الا ان الحركة هذه ذهاباً وإيابا لم تكن قادرة على الاستمرار. هذا التوازن لم يكن مستقرا. فبادئ ذي بدء  , ابتعد الطب النفسي ذاته عن الانشغال بالدلائل المؤسسة للذهان وعن اشكال الخطاب البناءة , بواسطة اسكاتها, اي اختزالها لداخل الجسد , هذا في حين ان موقع الطب النفسي داخل الطب عامة اخذ يتغير وفي الوقت نفسه تغير موقع الطب ايضا داخل العلم. من جانب التحليل النفسي , فهو نفسه ابتعد لاسباب مبنوية, عن الشكل الملحمي للصراع النفسي – اي عن المأساة الاعتيادية - لكي يهتم بالشكل, غير المناقض بالضرورة , الذي من خلاله يعالج "الغلاف الرسمي للعارض"[7] الحافز وظواهر التلذذ. هذه الحركة المزدوجة خلقت الوضع الذي نعيشه اليوم, وهي تمكننا من التوجه بشكلٍ افضل, بدءً من مسألة الذهان , إلى ثنائية الظاهرة العيادية - الايمان باسم الاب والايمان بالعارض.

المجاز الابوي, I & II
نظريا , وفي المرحلة الكلاسيكية لتدريسه, وضع لاكان في المقام الأول أصالة  الذهان ونجاعته انطلاقا من التناقض مع "الاداء السوي " للمجاز الابوي. من التراجيديا الاوديبية المبتذلة استخلص المبنى الذي يعمل فيه اسم الاب كعنصر فعال على الاحجية, احجية الرغبة الامومية بالنسبة للطفل. وهذا يعطي ضمانة لما يدون في اللغة تحت القيمة الفالية كظاهرة ذات معنى أو مفهوم.[8]



الذهان كشكل ناجع هو الشيء الذي يتشكل عندما يتوقف اسم الاب عن العمل كعنصر فعال . ويكشف هذا حقيقة ان اللغة غير قادرة على اختزان ظواهر التلذذ. ويتحول جسد الذات الى مكان لتلذذٍ غير قابل للترميز تحت القيمة Φ , تلذذ لظاهرة غريزية غير محددة, باتت خارج المناطق الشهوية.



تلذذ غير قابل للنفي يفرض نفسه  وفي الوقت ذاته كلمات, ظواهر عصية على الفهم , إشارات لم تُسمع, رسائل غير مألوفة , جميعها تفرض نفسها وتتداخل باتجاه الذات, في نسق يضع بين الآخر الكبير الجديد هذا والتلذذ شيئاً ما, من غير الممكن توحيده. تكتسب اللغة المألوفة  تشديدات جديدة.

لقد وصف لاكان السعي للاستقرار بين الدوال والمعاني – الذين يقيمون لغة – ابتداء من إسهامات  يعقوبسون (Jakobson) الالسنية, والذي ابتعد عن توحيد الرمز السوسيرياني الخاطئ بدمجه لرموز ورسائل, ليس فقط من خلال رمز يمكِّن من إنتاج رسائل, وإنما من خلال تأثيرات عودة الرسائل على الرمز.[9]


إن رسائل الرمز ورموز الرسالة تتكون في السنية الكلام الفعلي, ومن صُلب عملية الكلام نفسها. أفعال (acts) اللغة لدى الذات الذهانية, العمليات اللغوية نفسها لدى هذه الذات تغيّر اللغة التي تستعملها لدرجة تستطيع معها اللغة الجديدة التي تغيرت بواسطة عمليّات اللغة الآن, من تلقّي الرسائل الخارجة عن المفهوم والمحلقة خارج أية قاعدة سلوكية.[10] إن نتائج هذا التوجه المتطرّف للظاهرة الذهانية وللتجربة العيادية لمنفذ الهروب الذي بإمكان الذات الذهانية أن تجده , مكنت لاكان أولاً وقبل كل شيء من تعميم اسم الأب خاصته عن طريق تحويله لأسماء أب بصيغة الجمع, كما أوضح ذلك جاك الين ميلر بالملاحظة التي طورها بخصوص الانتقال من المجاز الأبوي الأول إلى المجاز الأبوي الثاني. مع تطوير ميلر ننتقل من تعدد أسماء الأب إلى اللغة نفسها, اي الى أن اللغة هي التي تأخذ على عاتقها ظاهرة التلذذ.[11]


بهذا المعنى, فان المجاز الأبوي الثاني عند لاكان هو بمثابة تعميم للجهد الذهاني الفريد لمجمل الحقل العيادي. من الذات الذهانية  علينا ان نتعلم كيف تصنع الذات العصابية من عارضها  لغة وكيف ان هذه الذات العصابية تخلق هي ايضا , ليس فقط من المجاز الأبوي الأول وانما من المجاز الأبوي الثاني ايضاً.

ان المجاز الابوي الثاني والذي تأخذ فيه اللغة بمجملها على عاتقها جهد تسمية التلذذ, اقرب لخومسكي (Chomsky) منه الى يعقوبسون . ان القاعدة العامة لموقع الآخر الكبير تشجب هذا التلذذ على نحو متكرر. لقد استعمل خومسكي مجازاً مضيئا, محاولاً وصف هذا الجهد. وقال انه بالإمكان إجراء تصنيف لجميع الأسماك, وتحديد قاعدة الارتقاء لجميع الأسماك المتحجرة , ووصف مجمل التنوعات في الأجناس, لكن ما دمنا غير قادرين على فهم ديناميكية السوائل فلن نفهم لماذا تميل جميع الأسماك لان تاخذ شكل سمكة القرش. لقد قال انه يبحث عمّا قد تكون ديناميكية السوائل بالنسبة للغات. الا انه لم يجدها. وقد كان ذلك بالنسبة له الحد لمشروعه, إلا ان الفائدة على الاقل من حلم خومسكي بخصوص "عضو اللغة" كان في انتاجه لمفصلة ما بين اللغة وظواهر الجسد.

بالنسبة لنا, ديناميكية السوائل التي تنظم اللغة هي الشكل الذي تؤخذ به المادة المتلذذة تحت رعاية اللغة نفسها. لاكان يعمم هذا الدرس, الذي تمنحنا اياه الذات الذهانية من خلال جهودها الفردانية, لمجمل الحقل العيادي . لاعتبارات تتعلق بالمبنى هنالك واقع (real) رازح داخل الاستعمال الفرداني الخاص هذا وهو الذي يحدد بالنسبة لنا, ما بعد لاكان, الحقل للممارسة ولتجربتنا. اجل, المفهوم هو الاستعمال (“Meaning is use”), الّا ان هذا الاستعمال هو الاستعمال لتسمية (nominating, naming) التلذذ. اللغة نفسها تتحول الى موقع, هو ليس موقعً الحلم الخومسكياني ذو الطابع العام , إنما لموقع ثنائية المعنى  (equivoque) العامة. لا يميز لاكان ما بين المركب المكون للانشاء, ولعلم الدلالات او للبراجمتيكا – انما يمتحن تنائية المعاني على صعيد الانشاء وعلى صعيد الدلالات والبراجماتيكا.
وعليه فان جهدنا موجود على النقيض من المحاولات التصنيفية. والمفارقة تكمن في اننا أخذنا مصطلح "الذهان" في لحظة  لمنهجة جديدة, في لحظة لتصنيف جديد ظهر في الخطابات. في اللحظة التي حوّل فيها تدريس لاكان  مصطلح "الذهان", الى اشارة للدرب الذي بحسبه وعلى نحو متزامن , عندما نعترف بمجموعة المعاني المزدوجة على مستوى الآخر الكبير وليس وفق القوانين, فاننا نتطرق أيضا لذاك البُعد الذي بموجبه تكون الذات, في كل حالة وحالة, غير قابلة للتصنيف (Unclassifiable). غير القابلين للتصنيف في العيادة هو الاسم ألذي اختاره جاك الين ميلر (JAM) لأحد مؤتمراتنا- ENAPOL وPIPOL .[12] " غير القابلين للتصنيف في العيادة" هو الجهد لان يكون العارض, ما عبر محاولات التصنيف من جديد وفق أشكال نموذجية, قادراً على الإشارة لفردانية الذات.

هذا هو خط الأفق الذي يمكن ان نراه في- “Joyce le sinthome”, فهو اسم شخصي- “Joyce”, وبالحين ذاته اسم عام (common name)- “sinthome”(بوسعكم استعماله كما تشاءون) , موصولان بأل التعريف (le), من خلال جهد لاكان للتعبير عن فرادة الكتابة للرباط (noeud)  الجويسياني. ان التسامي الجويسياني –اللا شعور كَ-" بقة تحمل الحقيقة" , وفقا لمصطلحات جاك الين ميلر, يحمل الحقيقة, إلا أنها حقيقةً أخلت مكانها من اجل المعرفة. عند قراءة يوليسس, قراءة الطرفة الاوديبية عن جويس هي ليست الأمر الأنفع. يمكننا الاستمتاع بالطرفة بإحدى السِيَر الذاتية التي كُرِّست لجويس. إن كل ما نادى به جويس, الشكل الذي أراد به ان يؤسس أدبا ذا طابع مختلف وبالاضافة أن يصبح نبياً جديداً بواسطة لغته الخاصة, هو بمثابة جهد لمكيدة ضد اللغة نفسها, وذلك من خلال الأدب والرسائل التي ارسلها, لدرجة لا تعود معها الرسالة الى الرمز فقط  –كما ادعى يعقوبسون- وانما كما قيل, ان اللغة الانجليزية اصبحت بعد جويس, لغة ميتة.

علينا ان لا نبالغ. فالانجليزية ماتت الا انها عادت للحياة, ولكنها تغيرت بالطبع. إن الأدب بالتأكيد مر "بلحظةٍ جويسيانية", تغير, خلق من جديد عالما من الشخصيات ولكن بطريقة مختلفة. فيليب سولرس (Sollers) كتب Paradis, وتوقف [بعد قراءة جويس], وكانت له فترة ركود, ومن ثم كتب Women (Femmes). كل الادب الذي تغير بعد جويس عاد الى مونولوج مولي بلوم واستخدمه لأهداف أخرى. إن الأدب ما بعد جويس دون السؤال النسوي الفرويدياني كذروة الأحاجي التي يتوجب على الأدب حلّها. لذلك يمكننا القول, ان الأدب, ما بعد جويس يفحص بواسطة الذات الذهانية ماذا يعني أن تكون "المرأة التي يفتقدها جميع الرجال".[13]

الاعتيادي وما خارج الاعتيادي
لقد قادنا التعميم الجويسياني او المشهد العام الاعتيادي للجهد الذهاني لان  نتطرق لأنماط الذهان الاعتيادية - وليس فقط لأشكاله الخارجة عن القاعدة (غير الاعتيادية) المتعارضة مع التراجيدي – المبتذل – اي ان ننطلق من أشكال اعتيادية للمجاز الهذياني (delirious). ان نبدأ من الجهد الشخصيّ لاضفاء المعنى , ومن الجهد لتقليص المفهوم الى انتاج الكتابة للعارض الخاص لكل فرد, ناهيك ان كان قد عبر بتحليل نفسي ام لا. الاحتمال وارد بالنسبة لمن يعبر درب التحليل, لأن يعرف عن ذلك. اما من لم يفعل ذلك , كما يقول لاكان, فسيحتاج لوقت أطول حتى يغدو صورة لتاريخه المكتوب.

"الذهان الاعتيادي" هو اسم لبرنامج عمل كان قد بدأ بالقطاع العياديّ عندما سألنا أنفسنا عمّا يحدث لدى الذات الذهانية قبل هيجان الذهان. بدأنا من هذا السؤال واستقصينا النص الشريبرياني لكي نُموقع هذا السؤال.[14] بعدئذ,  انطلاقا من الذهان غير المهتاج, لاحظنا أن أمورا كثيرة تحصل في هذا النطاق قبل أن يسقط أو ينفصل شيء ما. ولكل المداولات حول تلك الظواهر هنالك نقطة زمنية محددة : اللقاء في أنتيب.[15] هذا اللقاء مكّن من إعطاء شكل لجميع تلك الظواهر من خلال إعطائه  اسم للحظة الانفصال عن الآخر الكبير, وبتعريفه للحقل المميز لعيادة الذهانات الاعتيادية والذي استوجب البحث فيه.

ومع ذلك , فوجود هذا الحقل للذهان الاعتيادي, لا يعني ان الجميع مصابون بالذهان. علينا ان لا نخلط هذا الأمر, وهو الدرس الذي تمنحنا إياه الذات الذهانية والذي ينطبق على مجمل الحقل العياديّ , مع فئة عيادية بعينها, وجعلها بذلك فئة لاغلبية ممارستنا, كما جرى في فترة العيادة الكرفلنيانية حينما اعتبر ثمانون بالمئة من المرضى في مستشفيات الأمراض النفسية كمرضى جنون الارتياب. نحن لا نرى ذهاناً عادياً في كل مكان. كلا.  بل نتكلم عن برنامج لعمل, وعن بحث. يدعي جاك الين ميلر أننا نتحدث عن اتجاه, عن مصطلح موجه , إلى أن نصل اللحظة التي نعرف معها بدقة مع ماذا نحن نتعامل. وهذا الامر لم يحدث بعد. بدون ادنى شك سيجيء يوم تكون فيه كلمة "ذهان" غريبة عن روح العصر لدرجة تستوجب معها الحديث بمفاهيم "الهذيان الاعتيادي". وكما يقول جاك الين ميلر بالنشرة الأخيرة لِ Le Point,[16] من خلال لقاء مع " التشديدات الارسميانية  (ERASMUS) لجاك لاكان", والتطرق لكتاب مديح الجنون: "كل العالم مجانين, اي أن العالم بمجمله يهذي".[17] لكن لا يعني هذا أن جميعنا مصابون بالذهان. بالنسبة لنا, كل ذلك هو جزء من بحثنا الحالي في القرن الحادي والعشرين, بحثنا المتعلق بماذا تشكل بالنسبة لنا, مسألة الذهان.

وكما ان المقام الاعتيادي للذهان لا يشهد او يدل على تفشيه العام , هكذا لا يمكن للوظيفة الابوية ان تتلاشى بالنسبة لاولئك الذين ندعوهم ذهانيين. فالوظيفة الأبوية تبقى هناك , بصورة مختلفة. يبقى هناك أبٌ ذو مقام اعتيادي أكثر, واستعمال اعتيادي أكثر. يقول لاكان أن هذا الأب هو ذاك الذي ما زال قادرا على مفاجأتنا (epater) وذلك من خلال تلاعبه بالكلمة pater[18] المتواجدة داخل كلمة epater. الأب هو ذاك الذي يشكل استثناء (exception), وذاك الذي بإمكانه ان يفاجئنا. جاك الين ميلر يعرض مثالاً لذلك من الحقل السياسي حيث نشاهد رجل السياسة في ايامنا , حتى من خلال دوره التهريجي , محاولاً إبهارنا بينما هو مأخوذ بوسائل الإعلام , وبصناعة الإعلام.[19] من الضروري بالتأكيد أن يفعل ذلك بطريقة جيدة.

كان بمقدورنا ان نشاهد ذلك في الأيام الأخيرة , في الاحداث التي سبقت الانتخابات في اليونان , التي تجري اليوم تحديدا (17.6.12), والتي سنعرف نتائجها في الساعات المتاخرة من هذا المساء , ان كان سيُنتخب تقنيّ اليورو او الشاب الشجاع Alexis Tsipras , الذي أدهش العالم بأسره حينما انطلق بخطابه الحماسي وجعلنا نصدق ان الحل موجود لديه. الله اعلم ان كان هذا صحيحا. لا يبدو انه مقنع الى هذا الحد. ولكن ها نحن امام مثال لمحاولة للإدهاش تؤدي الى دعم وايمان . مَن يُفاجئ هو تحديدا ذاك الذي يأتي الى عالم يعيش لعبة مليئة بالقوانين, وبالبيروقراطية, ومليئة بالحراسة على جميع المستويات, لكي يشرح لنا عن الوقاية المتعلقة بالحياة وبالموت, وعلى نحو مفاجئ ينجح بان يقوم بأمور على نحو مختلف عن أي شخص آخر. من أجل ذلك, نحن بحاجة لهذه الفئة المميزة , فئة – غير القابل للتصنيف,  والتي تسهم في  بحثنا من ناحية فهم التغيير في اسم الأب الاعتيادي - اسم الأب للوجود.
وفي هذا السياق, اود ان اشير للمنفعة العملية الكبيرة للعدد السابع من دورية Hurly-Burly. فبالامكان ان نجد فيه الحلقة الدراسية عن الاخر غير الموجود ولجان الاخلاق خاصته لجاك الين ميلر , بتلخيص سهل جداً للقراءة حول سؤال التسمية.[20] موجود فيه مقالة لايان هاكينج (Ian Hacking)[21] عن الفرق بين نظريات باتنام (Putnam) وكريفكا (Kripke)  , عن التسمية التي تتيح فهم كيف أن قمة ما يمكن قراءته من وجهة نظر منطقية في الفلسفة التحليلية وفي المنطق المعاصر يرتكز على النقطة التي يلتقي بها الاسم الشخصي والاسم العام - اسم الجنس وفكرة ال- Natural-Kind- يلتقون ويطرحون بشكل جذري السؤال حول كل محاولة لاختزال (reduction) الاسم إلى وصفه. هذا الاسم منسوب للفعل الاساسي المدعو وفقا لكريفكا  التغطيسة الأصلية[22] والذي يتناغم (له صدى) لدينا مع "تغطيسة التلذذ" والتي تتلقاها الذات في لحظة معينة كصدمة وفي أعقاب ذلك  تتلقى اسمها. بقي ان نرى كيف يتم تمرير هذا الاسم بعدها حسب طرق باتنام وكريفكا. اود ان اشكر ادريان برايس (Price) محرر العدد السابع من  Hurly-Burly والذي قدم قسطه بكتابة مقالة استهلال[23], وبالإضافة كل طاقم  Hurly-Burly. اعود واكرر اننا نتحدث عن اداة عملية جدا لتحضير المؤتمر الذي سيقام بأثينا.

نهاية "امتياز" الجنون
في النهاية, بودي ان اذَكِّر بالنقطة التالية: الجانب الاعتيادي للجهد الذهاني وحقيقة ان الجميع مجانين , او بكلمات اخرى, ان تكون مجنوناً لا يشكل امتيازا بعد. وكما قال لاكان, على هذا الجهد ان يمكّننا من الخروج من الخلط والبلبلة في ان الأب من لحم ودم هو ما ندعوه أبا في التحليل النفسي.
الاباء غير مسؤولين عن ذهان ابناءهم , والامهات ايضا لسن مسؤولات عن توحد ابناءهن. ومثلما خرج زملاؤنا المحللون النفسيون من مخدعهم, أهالٍ لابناء متوحدين وأفصحوا عما دفعهم لاقامة مؤسسات لاستقبال ابناءهم وابتكار الشيء الذي يدمج ما بين التربوي والعيادي- العلاجي الامر الذي انقذهم وانقذ ابناءهم, هكذا ستكون هناك حاجة لان يخرج ايضا زملاؤنا ممن هم اهال لابناء ذهانيين من مخادعهم , بسرية طبعاً. هذا هو الشكل الذي سيطالب به المحللون النفسيون من القرن الحادي والعشرين للتحدث عن الذهان, بما في ذلك ذهان الطفولة. علينا إزالة الاحجبة القائمة لكي يتمكن التحليل النفسي في القرن المقبل من الاسهام بقسطه في وجود واستمرارية الحوار بشكل "اعتيادي" أكثر, بما في ذلك الحوار مع منظمات اهال ومستخدمين اخرين لفئة الذهانات,  والذي هو جزء من الخطاب العام حول الذهانات.  

ترجمة : خلود ثابت – صغير
تنقيح وإعداد: خليل سبيت





[1] هذه المحاضرة ألقيت بالفرنسية في مؤتمر المدرسة اللاكانية الجديدة الذي أقيم بتل ابيب في ال-17 من تموز 2012, كعرض لموضوع مؤتمر المدرسة الحادي عشر الذي اقيم في آثينا , 2013.    
[2] اريك لوران هو الرئيس السابق للمنظمة العالمية للتحليل النفسي ومحلل عضو بالمدرسة اللاكانية الجديدة
[3] Cf. Lacan, J., The Seminar Book XVII, The Other Side of Psychoanalysis, transl. by R. Grigg, Norton, New York, 2007.

[4] Lacan, J., De la psychose paranoïaque dans ses rapports avec la personnalité, Seuil, Paris, 1975.

[5] Cf. Freud, S., “The Mechanism of Paranoia” transl. by A. & J., Strachey in Psychoanalytic Notes on an Autobiographical Account of a Case of Paranoia, in The Standard Edition of the Complete Psychological Works…, Vol. XII, Hogarth Press, London, 1958, p. 62.

[6] Lacan, J., “Proposition on 9 October 1967 on the Psychoanalyst of the School” transl. by R. Grigg in Analysis, Issue 6, 1995, p. 11 [TN, facticitécould also be translated as “fictiveness” or “artificiality”].

[7] Lacan, J., “On My Antecedents” in Écrits, The First Complete Edition in English, transl. by B. Fink, Norton & Co., p. 52.

[8] Cf. Lacan, J., “On a Question Prior to Any Possible Treatment of Psychosis”, in Écrits, op. cit., p. 465.

[9] Cf. Ibid., p. 452: “…a code constituted by messages about the code and […] a message reduced to what, in the code, indicates the message”.

[10] Cf. Lacan, J., “Subversion of the Subject and the Dialectic of Desire…” in Écrits, op. cit., p. 683: “Code messages and message codes separate out into pure forms in the psychotic subject…”.

[11]Miller, J.-A., “Extimité” transl. by F. Massardier-Kenney in Bracher, M., et al., Theory of Discourse: Subject, Structure and Society, New York University Press, 1994, p. 85.

[12] Cf. IRMA, La conversation d’Arcachon, Cas rares : les inclassables de la clinique, Paon Collection, Agalma/Seuil, Paris, 1998.

[13] Cf. Lacan, J., “On a Question Prior to Any Possible Treatment of Psychosis”, op. cit., p. 472.

[14]  IRMA, Le Conciliabule d’Angers, Effets de surprise dans la psychanalyse, Paon collection, Agalma/Seuil, 1997

[15] IRMA, La psychose ordinaire, La Convention d’Antibes, Paon Collection, Agalma/Seuil, Paris, 1999.

[16] Miller, J.-A., “The Lady Symptom”, transl. by A. Price in Hurly-Burly, Issue 8, October 2012, p. 307.

[17] Lacan, J., “There are four discourses…”, transl. by A. Price in Culture/Clinic, Issue 1, Spring 2013.

[18] Lacan, J., Le séminaire livre XIX, …ou pire, Seuil, Paris, 2011, p. 208.

[19]  Miller, J.-A., “Out-of-the-Ordinary, the Better to Impress”, transl. by A. Price in Hurly-Burly, Issue 8, October 2012, p. 303.

[20] Miller, J.-A., “Five Lessons on Language and the Real” transl. by A. Price in Hurly-Burly, Issue 7, May 2012, pp. 59-117.

[21] Hacking, I., “Putnam’s Theory of Natural Kinds and Their Names is Not the Same as Kripke’s”, in Hurly-Burly, Issue 7, Ibid., pp. 129-49.

[22]  Kripke, S., Naming and Necessity, Blackwell, Oxford, 1980, p. 96.

[23] Price, A., “On the Real and Natural-Kind Terms”, in Hurly-Burly, Issue 7, op. cit., pp. 119-27.