9.4.2016

"نحن نحب ذاك الذي يجيبنا على سؤالنا "من أكون!؟""



J-A Miller

مقابلة مع المحلل النفسي جاك الين ميلير منذ اوكتوبر العام 2008 كانت نشرت في الطبعة الفرنسية لمجلة العلوم النفسانية  "Frensh Edition Of Psychologies Magazine" ; ونشرت ترجمة انجليزية لها في "HURLY - BURLY" دورية المدرسة اللاكانية الجديدة (New Lacanian School) , الصادرة في  آذار 2011 .
ج.أ. ميلير هو أحد أبرز المحللين النفسيين الناشطين في حقل التحليل النفسي حاليا, إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق وذلك بفضل تحديثاته النظرية وقراءته المميزة والأصيلة لنصوص جاك لاكان والتي هو وريثها القانوني بحسب وصية لاكان نفسه.
الترجمة لخليل سبيت, اختصاصي نفسي عيادي ومحلل نفسي عضو المدرسة اللاكانية الجديدة.
هانا وار – هل يعلمنا التحليل النفسي شيئا عن الحب؟
جاك ألين ميلير – الكثير الكثير, فالحب هو المحرك الرئيسي في التجربة التحليلية. ذلك أمر متعلق بالحب اللاواعي والفوري على الأغلب الذي يجلبه المتحلل للمحلل, وهو ما يسمى بالتحويل (Transference). إنه حب مبتدع, الا انه مصنوع من ذات المادة التي للحب الحقيقي. وهو يلقي الضوء على آلية (ميكانيزم) الحب: فالحب يوجه الى من تعتقد أنه يعرف حقيقتك الفعلية. انما يجيز لك الحب أن تعتقد انه من الممكن ان تكون تلك الحقيقة محببة أو مقبولة في حين أن تحمّلها صعب للغاية, في واقع الأمر.
إذا ماذا يعني أن نحب حقا؟
أن تحب شخصا ما حقا يعني أن تؤمن أنك ومن خلال حبه, ستصل الى حقيقة ذاتك. نحن نحب الشخص الذي يحمل الجواب أو جوابا لسؤالنا : "من أكون !؟".
لم يعلم البعض كيف يحب بينما يجهل الآخرون ذلك؟
يعلم بعض الناس كيفية استثارة الحب عند الآخرين,  عند سلسلة من المحبين, ان جاز التعبير, رجال و نساء على حد السواء. هم يعلمون علي أيٍ من الأزرار عليهم الضغط, لكي يحظوا بالحب. ولكن ليس بالضرورة ان يحبّوا هم أيضا, فعلى الأغلب هم يمارسون لعبة القط والفأر مع فريستهم. لكي تحب عليك أن تعترف بنقصك, وان تسلّم بانك بحاجة للآخر, بأنك تفتقده أو تفتقدها. اولئك الذين يشعرون بالاكتفاء مما لديهم, أو من يسعون لذلك, يجهلون كيف يحبوا. وفي بعض الأحيان يُقِّرون بذلك مع بالغ الألم. فهم يتلاعبون ويشدون بالخيطان ويرقصون على الحبال, اما عن الحب فانهم لا يعرفون شيئا, لا عن مخاطره ولا عن بهجته.              
مكتفون بما لديهم : فقط الرجل بامكانه التفكير على هذا النحو
صياغة رائعة! غالبا ما قال لاكان: " ان تحب هو ان تعطي ما ليس بحوزتك". وذلك يعني: ان تحب هو ان تدرك نقصك وان تعطيه للآخر, ان تسلّمه للآخر. لا يدور الحديث هنا عن ان تعطي ما تمتلك, كممتلكات وهدايا, وانما نتحدث عن عطاء شيء مختلف انت لا تملكه, شيء يكون ما عبرك. ولكي تفعل ذلك عليك ان تفترض نقصك, أو "خصاؤك" كما كان يقول فرويد. وهذا بالضرورة أنثوي. فالمرء يستطيع ان يحب حقا فقط من وضعية أنثوية. الحب يؤنث. ولهذا السبب يكون الحب دائما كوميديا نوعا ما عند الرجل. ولكن اذا ما استولى عليه الخوف من ان يكون في موضع سخرية جراء ذلك, عندئذ يكون الرجل في حقيقة الأمر غير واثق من رجولته.
هل الحب أصعب لدى الرجال اذن؟ 
نعم بالتأكيد! فحتى لدى الرجل العاشق هنالك ومضات كبرياء وغطرسة وانفجارات عنف تجاه موضوع حبه, لأن ذلك الحب يضعه في وضعية عدم كمال, اتكال وعدم استقلالية.  ذلك هو السبب في انه يستطيع ان يشتهي امراة لا يحبها, لكي يستعيد الوضعية الرجولية التي يعلقها أو يعيقها عندما يحب. لقد سمى فرويد هذا المبدأ, "تخفيضات الحياة الحبية" عند الرجال: ومفاده الفصل ما بين الحب والرغبة الجنسية.
وماذا عنه عند النساء؟
ان ذلك أقل شيوعا لدى النساء.  ففي أغلب الأحيان هنالك مضاعفة لدور الشريك الذكر. فهو الرجل الذي يكسبهن التلذذ والذي يشتهينه من ناحية, ولكنه ايضا  الرجل الحبيب, والذي يمر بسيرورة تأنيث وخصاء بالضرورة. فقط يجب ان نذكر ان ليست الأناتوميا هي من يتبوأ موقع الريادة: فهنالك جزء من النساء ممن يتبنين الموقف الذكوري. وهنالك تزايد في عددهن. لديهن رجل يحببنه في البيت؛ ورجل آخر للتلذذ, يلتقين به في الشبكة الالكترونية, في الشارع أو في القطار....
كيف حصل هذا التزايد في عددهن؟
افكار نمطية اجتماعية – ثقافية حول الأنوثة والذكورة تشهد سيرورة تحول جذري. فالرجال يُدعَون للأِنفتاح لمشاعرهم ,  لأن يحبوا ويؤَنّثوا أنفسهم ؛ والنساء بالمقابل يعبرن نوعا من "الدفع باتجاه الرجولة" : فباسم المساواة القانونية يدفعن لان يقلن باستمرار "وأنا أيضا". في الوقت نفسه, يطالب المثليّون بنفس الحقوق والرموز التي تحظى بها الأزواج الجنسية المختلطة , كالزواج والتبني. وعليه, هنالك عدم استقرار كبير في الأدوار, وميوعة بالغة في مسرح الحب تتعارض مع الثبات الذي كان في الماضي القريب.  لقد اصبح الحب "سائلا", كما اشار عالم الاجتماع زيجموند باومن. فعلى الجميع ان يبتدعوا "نمط حياتهم" الخاص, أن يأخذوا على عاتقهم نمط  تلذذهم الخاص ونمطهم الخاص في الحب. رويدا رويدا أصبحت السيناريوهات التقليدية نافذة الصلاحية. لم يختف الضغط الاجتماعي للتماشي مع المقبول وللخنوع أِلا انه في انحسار.
"الحب دوماً متبادل" قال لاكان. هل ما زال ذلك صحيح في وقتنا الراهن؟ وماذا يعني ذلك؟
تُعاد هذه المقولة مرة تلو الاخرى دون أن تفهم أو أنها تفهم على نحو معكوس. لا تعني المقولة بأنه يكفي أن تحب شخصا ما حتى يبادلك الحب هو بالتالي أيضا. أن ذلك سخيف وغير معقول. أنما تعني المقولة : "أن كنت أحبك, فذلك لأنك جدير بذلك. نعم انا هو من يحب, الا انك انت ايضا مرتبط بذلك, ذلك أن هنالك شيئا ما بك يجعلني احبك. انه متبادل لان هنالك الذهاب والأياب : أن حبي لك هو الأثر العائد لسبب الحب الذي تشكله انت بالنسبة لي. على هذا النحو أنت متورط. حبي لك هو ليس شأني أنا فحسب وأنما هو شأنك انت أيضا. حبي لك يقول شيئا عنك ربما تجهله أنت بنفسك". أن ذلك لا يضمن حتّى , أن يستجاب حب شخص معين بحب الطرف الآخر: عندما يحصل ذلك يكون الأمر على الدوام ضرب من الأعاجيب, ولا يمكن حسبان هذا الأمر مسبقا.
نحن لا نجد "الواحد الوحيد" بالصدفة. لم هذا الشاب؟ لم تلك الفتاة؟
ذلك ما دعاه فرويد Liebesbedingung , شروط الحب, سبب الرغبة. انه ميزة خاصة - او جملة من الميزات -  والتي لها عند الشخص وظيفة حاسمة في اختيار الحبيب. ان ذلك ينفذ تماما من قبضة علم الاعصاب, لانه امر مميز وخاص عند كل شخص, وهو خاضع لتاريخه العاطفي الفريد. ميزات صغيرة جدا او تافهة تلعب  دورها احيانا. على سبيل المثال,  أفرد فرويد عند أحد مرضاه سبب الرغبة وقد كان ذلك لمعة في أنف امرأة !.
من الصعب الايمان بحب يشاد على تفاهات كتلك
ان واقع اللاوعي يتجاوز الخيال. فليس بمقدورك أن تتصور الى اي مدى تشاد الحياة الإنسانية وخاصة حين تتعلق الامور بالحب,  على أشياء صغيرة , على طرف شعرة, على "تفاصيل ربّانية". صحيح انك تجد عند الرجال بالمقام الأول اسباب للرغبة على هذا النحو, والتي تشبه أفتاش (fetishes ) لا بد من وجودها لإشعال فتيل الحب. تفاصيل صغيرة, تذكّر بأبيها , أو بأمها , بالأخ , بالأخت أو بشخص ما من الطفولة , تلعب دورها أيضا في اختيار المرأة لموضوع الحب (love object) إلا أن النمط النسوي في الحب هو أقرب للإروتومانية منه الى الفتشية : فالنساء يردن ان يكنّ محبوبات. وهمّهن, الحب الذي يظهرهنّ, أو الذي يتوقعنه من الشخص الآخر, هو شرط لا غنى عنه لاستثارة الحب عندهن او على الأقل لنيل موافقتهن. هذه الظاهرة تكمن في جذر ظاهرة الدردشة بين الرجال والنساء.
ألا تنسب أي دور للتخييلات (الفانتازيا)؟
للتخييلات , واعية كانت أم لاواعية, دور حاسم لدى النساء على وضعية التلذذ اكثر مما لها في اختيار موضوع الحب. وذلك نقيض ما نجده لدى الرجال.  فعلى سبيل المثال, قد يحصل ان تصل امرأة إلى التلذذ – دعنا نقول الى حالة النشوة - خلال عملية الجماع , فقط في حال تخيلت انها تتعرض للضرب, أو تغتصب, أو إذا تخيّلت أنها امرأة اخرى , او حتى أنها في مكان آخر ,  أنها غائبة.
والتخييلات (الفانتازيا) الذكورية؟
إنها تبرز للعيان كثيرا في الحب من النظرة الأولى. المثال الكلاسيكي, والذي أشار اليه لاكان, موجود في رواية غيتيه, في الشغف المفاجئ لليافع فيرتير بشارلوت, في اللحظة التي رآها فيها لأول مرة, تطعم حشدا من الأولاد المجتمعين حولها. في هذا المثال, ميزة الامومة في المرأة هي التي أشعلت الحب. مثال آخر مأخوذ من عيادتي, وهو التالي: مدير في الخمسينات من عمره يقابل متقدمات لمنصب سكرتيرة ؛ شابة في العشرين من عمرها تدخل ؛ وفي الحال يُعلن المدير عن حبه. تملكه الإستغراب مما استحوذ عليه وتوجّه لتحليلنفسي.  وهناك, أزال الستار عن المحفّز: فلقد التقى بصفات فيها ذكّرته بما كان هو عليه في سن العشرين, عندما توجّه لأول مرة لمقابلة عمل. بمفهوم معين, كان قد وقع في حب نفسه. في هذين المثالين بإمكاننا أن نرى جانبي الحب الذين ميز بينهما فرويد: فإما أن تحب الشخص الذي يحميك, وفي هذه الحالة الأم, أو أنك تحب الصورة النرجسية لذاتك.
يبدو من ذلك وكأننا دمى!
كلا, فبين الرجل والمرأة, ما من شيء مكتوب مسبقا, فلا توجد بوصلة, ولا توجد علاقة مبنية من قبل. ان اللقاء بينهم غير مبرمج, كما هو الحال ما بين الحيوان المنوي والبويضة؛ ولا يمت ذلك بأي صلة للجينات. الرجال والنساء يتكلمون, وهم يعيشون في عالم الخطاب, وهذا هو الأمر الحاسم. إن أنماط الحب حساسة بشكل بالغ للثقافة المحيطة. وكل حضارة تتميز بالشكل الذي تنظم فيه العلاقة ما بين الجنسين. في هذه الآونه, ما هو حاصل في الغرب, في مجتمعاتنا الليبرالية, مجتمعات السوق والقضاء , ان "التعدد" ماض بالتأكيد في طريقه للإطاحة "بالواحد". النموذج المثالي "للحب العظيم الدائم مدى الحياة" يتخلخل تدريجيا في مواجهته مع اللقاء السريع, والحب السريع والأسطول الكامل للسيناريوهات الغرامية البديلة , المتتالية والمتزامنة حتّى.
وماذا عن الحب طويل الأمد؟ الأبدي؟
قال بلزاك: " قبيح كل شغف غير خالد", . ولكن هل من الممكن ان يصمد الرباط مدى الحياة على صعيد الشغف. فكلما كرس الرجل نفسه لامراة واحدة فقط , كلما مالت لأخذ مدلول أمومي بالنسبة له : فتغدو أكثر سموا وغير ملموسة من كونها حبيبة. المثليون المتزوجون يطورون هذه النزعة تجاه المرأة على امثل نحو: أنشد أراغون حبه لإيلسا؛ وفور موتها كانت "سلام يا أولاد"!. وعندما تتشبث المرأة برجل واحد, فإنها تخصيه. اذا, الممر ضيق جدا. ان أفضل قدر للحب الزوجي هو الصداقة, وهذا بالاساس ما قاله ارسطوطاليس.
المشكلة في ان الرجال يقولون بانهم لا يفهمون ما تريده النساء, والنساء لا يفهمن ما يتوقعه منهن الرجال.
نعم. إن ما يتعارض مع الحل الأرسطوطالي هو في حقيقة ان التحاور ما بين الجنسين غير ممكن, وهذا ما قاله لاكان بلَوعة.
ان قدر العاشقين, في واقع الأمر, أن يمضوا قدما في تعلم لغة الآخر الى أجل غير مسمى, أن يتلمسوا طريقهم, وأن يبحثوا عن المفاتيح – مفاتيح قابلة للكسر على الدوام. الحب متاهة من اساءات الفهم وما من منفذ للخروج من ذلك.